د. فخري شهاب
كيف ستنتهي الأزمة؟
هذا سؤال عويص جدا، والحقيقة أن اسلم الرد عليه: <أني لا أدري>، والفرق بيني وبين غيري من الاقتصاديين أني أدري أني لا أدري، واني اعترف بجهلي، في حين أن الآخرين من أبناء مهنتي لا يدركون مقدار جهلهم، فهم ينكرونه، أو أنهم يدركونه، ولكنهم يكابرون، فتمنعهم العزة بالاثم من الاقرار بالجهل! وهذا هو السبب الحقيقي لما نسمعه وما نقرأه من ملايين الكلمات والعبارات الغامضة التي تطفح بها وسائل الاعلام على اختلاف انواعها التي لا تزيدنا الا ارتباكا ونفرة من الموضوع!
فما الغرض من هذه الكلمة، اذا؟ والجواب: هو أنها محاولة في البحث عن الرد، ليس إلا!
***
هناك حقائق أربع متفق عليها لا بد من ايرادها في هذا الصدد قد لا أكون ذكرتها بوضوح في مقالتي السابقة عن هذه الأزمة، وهي الآتية:
أولاها: ان هناك تعادلا بين أثمان البضائع <والخدمات> المعروضة في الأسواق وبين النقد الذي تصدره الدولة، بحيث إنه اذا كثرت البضائع المعروضة (أرغفة الخبز، فساتين السيدات، كيلوات العنب، أجهزة التلفون النقال.. الخ) أو الخدمات (خدمات أطباء الأسنان، او الحلاقين، أو الخدم، أو المغنيات مثلا)، وبقيت كمية النقد ثابتة، انخفضت الاثمان، والعكس بالعكس.
وثانيتها: أن المجتمعات المتحضرة تفضل استخدام خدمات البنوك في معاملاتها التجارية اليومية (البيع والشراء وما اليها) بدل استعمال النقد لتسوية هذه المعاملات لما في هذه الطريقة من سلامة أو أمن وراحة بدلا من حمل كميات ضخمة من النقد تتداولها في كل عملية بيع أو شراء يقوم بها أفرادها، ناهيك عن معاملات الشركات والمعاملات الدولية!
وثالثتها: أن المجتمعات البشرية تقسم الى قسمين أساسيين: <المنتجون / المستهلكون>، وهم عادة بين سن السادسة عشرة والخامسة والستين (16 - 65) من العمر، و<المستهلكون>، كالأطفال والمسنين والمرضى والعاطلين والعاطلات عن العمل لسبب أو آخر، والمساجين، ونظرا لأن الفئة الاولى قادرة على سد كلفة استهلاكاتها ونفقاتها مما تكسب، فإنها الفئة الاثيرة لدى البنوك: فهي تقرضها لتمويل مشترياتها، وتشجعها على فتح الحسابات معها.. الخ، وذلك لما اصطلح على تسميته بلغة القانون <ملاءة> هذه الطبقة المالية، اي قدرتها على تسديد ديونها عند الاستحقاق.
ورابعتها: هي أن المؤسسات المالية (كالبنوك على اختلاف نشاطاتها، وشركات التأمين.. الخ) كانت تتقيد عرفا بحقول اختصاص لا تخرج عنها، وفي ضمن حدودها، وبموجبها تخطط سياسة اقراضها وتعين رؤوس اموالها واحتياطياتها، الا أن جيلا من الصيارفة نشأ منذ الثمانينات من القرن الماضي لم يعد يكترث بهذه التقاليد فضرب بها عرض الحائط وجنى من جراء ذلك أرباحا هائلة، وزاد في تمادي الصيارفة غياب قوانين تحدد نشاطاتهم المصرفية إذ كان العرف والتقاليد هما اللذان يقرران نطاق تلك النشاطات، وبتوسع البنوك وكبر أحجامها وعولمتها اتسعت هذه النشاطات وعظمت الأرباح التي درتها، وسعدت بذلك ادارات البنوك وسعد المساهمون فيها، كما سعدت أيضا دوائر ضرائب الدخل في العالم، فلم يكن من مصلحة أحد أن يحرك ساكنا لتغيير الوضع!
ودائع قصيرة المدى
من تلك القواعد التي تجاهلها الجيل الجديد من الممولين هي قاعدة عرفية تحتم على الصيرفي أن يتذكر أن أكثر ودائع زبائنه قد اودعت للمدى القصير وأن اقراضه لا يجوز أن يتم الا في تلك الحدود، وان محاولة الحصول على مصادر تمويل أخرى بخصم أوراقه المالية (كمبيالاته) هي مجازفة لا تعرف عواقبها على احسن الفروض. وقد أثبتت الأزمة الحالية ذلك.
ويستحسن أن أقف هنا وقفة قصيرة لأشرح للقارئ الكريم أولا كيف كانت المؤسسات المالية تجني تلك الأرباح الطائلة: فقد استخدمت فيها أساليب جهنمية لا تخطر على بال أحد الاّ ابليس الذي أخرج آدم وحواء وذريتهما من الفردوس! هذا حين كانت السلطات الحكومية (وزارات المالية والبنوك المركزية) تغطس سعيدة في سباتها العميق! (والبنك المركزي الكويتي مثال عظيم لذلك!).
الطبقة المعسرة
فما حدث بعد اندماج المصارف وتلاشي الحدود التقليدية التي كانت تلتزم بها البنوك في تقديم الائتمان (القروض) هو أن تمكن كل من هب ودب من الحصول عليها (القروض)، بغض النظر عن ملاءته أو قدرته على سداد ديونه، فأضحت الطبقة المستهلكة (غير المنتجة كالعاطلين والشيوخ والمرضى وأبناء السبيل، والمدينين ديونا لا قدرة ولا أمل لهم في تسديدها... الخ)، هذه الطبقة التي كان الصيارفة يتحاشونها (لعدم قدرتها على السداد) بدت فجأة في ضوء جديد، ظهرت، منذ أواخر السبعينات، مصدرا جديدا يعتصر الصيارفة منه أرباحا لم يكونوا قد اكتشفوها قبل هذا. وقد استخدموا شركات تحصيل مرعبة تعاونهم في استيفاء الديون اذا اقتضى الأمر ذلك.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف تم هذا؟ كيف تحولت الطبقة المعسرة التي كانت المصارف تتحاشى التعامل معها لعدم قدرتها على تسديد قروضها الى طبقة تلاحقها هذه المصارف نفسها لأجل أن تقرضها؟
الرد على هذا السؤال ــ لبساطته وحمق من اقترحه وقصر نظر من أخذ بنصيحتهم ــ لا يصدق!
قصة المشتقات
قال عباقرة وول ستريت (wiz kids Wall Street): لماذا نستبعد الطبقة المعسرة؟ الا يمكن اقراضها اليوم، فإذا استحق الوفاء غدا، أقرضناها ثانية لوفاء ديونها المستحقة الدفع، ثم اذا استحق الدفع مرة ثالثة أقرضت مرة أخرى، ثم أخرى، وهكذا دواليك؟ وزعموا أن دورة الإقراض والاستقراض يمكن أن تستمر الى الأبد (!). ولإغراء المستثمرين لتمويل هذه العمليات الاتمانية عمدوا في كل دورة جديدة من الإقراض والاستقراض الى رفع الفائدة والى ابتداع اصطلاحات فنية لكي تكسب العمليات المخبولة التي كانوا يروجون لها مظهر الجدية والوقار، فأطلقوا عليها اسم سوق <ما دون الذروة> (sub-prime)، وعلى الأوراق التي يجري تداولها اسم <المشتقات> (derivatives)... وما الى ذلك. ودامت المهزلة، وكان دوامها للمشاهدين دلالة حقيقتها، فآمن بها اشد المتشككين بها وبلغ اليقين بها أنهم جربوا الاستثمار فيها فلم تخيب آمالهم، ودرّت الاستثمارات أرباحا زادتهم يقينا بها، فاتسع السوق وكثر المؤمنون بها وكذلك ظهر لأول مرة في التاريخ المالي سوق استثمار مصطنع استطاع أن يخدع أكثر خبراء الاستثمار حذرا وحيطة؛ وبقي أفراد من المخضرمين (مثلي) يتشككون، ولكن ثلاثة عقود مستمرة من نجاح ملموس ومطرد جاءت برهانا قاطعا على عبقرية <الأطفال النوابغ> من <وول ستريت> ــ حتى انفجرت الفقاعة، وطالب الدائنون بسداد ديونهم أولا، قبل تجديد القروض المتراكمة. واتضح في هذه المرحلة أن شركات التحصيل مهما ابتدعت من أساليب الضغط على المدين، فإن لقدرة الأخير على الدفع حدودا لا يمكن أن تتجاوزها شركات التحصيل!
إشهار الإفلاس
وفجأة اكتشف العالم المالي الحقيقة: إن هذه الجبال الشامخة من القروض قد قامت على أسس من رمل، وان الدائنين عاجزون عن الاستمرار في الاقراض ما لم تسدد لهم قروضهم السابقة أولا! فجأة اكتشف العالم حاجته الى نقد رسمي حقيقي! فجأة اكتشف <وول ستريت> أو <الطفل> (كما جاء في الاسطورة) أن <الملك كان عاريا>! فجأة اكتشف العالم أن إرجاء يوم الحساب متعذر بعد اليوم، وأن أحدا ما لا بد أن يغطي النقص النقدي الذي تركته الطبقة المعسرة (طبقة المستهلكين التي أشرنا اليها في أول هذا الحديث). فجأة انفتح على العالم سيل <اشهار الافلاس>!
العودة إلى كينز
كان أمام العالم المالي حلان لا ثالث لهما: ولكن قبل عرض هذين الحلين يجب أن أبادر فأقول إن حجم هذه الديون لم يكن معروفا حتى على وجه التقريب، وأقصى ما كان يحاوله الراسخون في علم الاحصاء المالي هو اقتراح أرقام تخمينية، فقدرت خسائر لندن بعشرات المليارات من الجنيهات، وخسارات <وول ستريت> في تلك الحدود، وتولى الباحثون عن الشعبية زعامة معالجة الموقف بالوسائل التي كان اللورد جون كينز اقترحها قبل نحو ثمانية عقود، وهي استعمال العجز الميزاني ــ اي ان تصدر الحكومة المركزية نقدا ورقا غير مستند الى ما يدعمه من ذهب أو أي ارصدة ثمينة أخرى، والتعويل على الباري تبارك وتعالى!
مطابع العملات
ولم ينبس أحد ببنت شفة عن نتيجة ذلك التصرف، بل قيل في الدفاع عنه إنه اذا لم تخفّ الدولة الى انقاذ البنوك المتورطة، انهار الصرح المصرفي الذي يقوم عليه الاقتصاد الرأسمالي في العالم، وواجهت ذرية آدم وحواء موجة عسر اقتصادي لم يكن لها شبيه في التاريخ منذ القحط الذي أحاق بمصر الفرعونية أيام سيدنا يوسف عليه السلام (!) ونسي المتنبئون بهذه الكارثة الفادحة التي كانت تنتظر العالم ان هذه المصارف نفسها جنت في العقود الأربعة السالفة من الأرباح والعلاوات ما لا يتخيله عاقل، ولا سأل أحد: لم لم يحتط أحد من عباقرة المصارف هؤلاء فيفرد مالا احتياطيا لمواجهة يوم عصيب كالذي واجههم حينئذاك وما انفك اليوم! وتعالت أصوات دعاة الاصلاح أن علينا أن نخف لمعالجة المريض اولا قبل محاسبة المسؤول ونُس.ي السرف الذي شُجّ.ع المفلسون المستهلكون على التمادي فيه من أجل أن تُجنى تلك العلاوات، وتركز النقاش كله على انقاذ المصارف من أزمتها الخانقة: فأمر كل من المستر غوردون براون والرئيس السابق جورج دبليو بُوش والمسيو ساركوزي والرئيسة (أم أن علينا أن نقول الرئيس؟) ميرك.ل، وآخرون من رؤساء حكومات الدول الصناعية العشرين التي تحكم العالم، مطابع العملات الورقية بالعمل ليل نهار لتلبي طلبات تلك الحكومات، وما هي الا بضعة أسابيع حتى اكتشف اولئك السياسيون أنفسهم ان الطوفان من النقد الورق الذي غمروا العالم به، وأن البنوك التي أمموها لمنع انهيارها وانهيار الهيكل المصرفي في العالم بأسره، ما هما الا قطرتان في محيط مما تحتاج اليه اسواق العالم من النقد لسد العجز المطلوب لمواجهة الأزمة التي تواجهها. وكذلك استمرت آلة الطباعة الحكومية دائبة على العمل وما تزال. هذا كله لتسديد الديون المتراكمة التي عجز عن سدادها المستهلكون (مضافا اليها الفوائد الخيالية التي أضافها اليها الصيارفة أنفسهم طبعا!) - ذلك لأن الديون المراد سدادها هي بالترليونات لا بالمليارات كما ظنوا اول الامر!
دين الدولة
والعالم اليوم في هذه المرحلة، المرحلة التي فت.حَتْ فيها أبواب الخزائن العامة على مصاريعها (أو ما تصح ترجمته <الانفاق من العجز> deficit finance) من أجل تسديد جبال من الديون التي عجز من سميناهم <الطبقة المستهلكة> في هذه المقالة عن سدادها، فتحولت من ديون شخصية (او فردية) كان تم تداولها في القطاع الخاص (بين الشركات الدائنة كالبنوك والافراد المستدينين) الى قروضٍ الدولة أضحت هي الدائن فيها، وهنا يجب أن أذكر القارئ الكريم أن هذه الديون قد بلغت من الضخامة حجما لم يعرفه العالم المالي قبل اليوم!
هذا اذا هو الوضع الذي يجد الاقتصاد العالمي فيه نفسه اليوم: خضم من الديون يدين بها القطاع الخاص (الافراد والشركات) للحكومات، وانتاج قومي سنوي دون ما تستطيع عوامل الانتاج (من رأسمال وأيد عاملة) انتاجه في ايام الكساد الاخيرة، ودخول قاصرة (لانتشار البطالة)، وسيل عارم من النقد لا يعادله زيادة في الانتاج القومي، فماذا بعد هذا؟
ثلاث نتائج
هناك نتائج بديهية لا بد من توقعها: أولها موجة غلاء عارمة تصحبها بطالة مستمرة معتدلة (قد تتراوح بين 2 و4 في المائة) لم يألفها العالم منذ الازمة الاقتصادية الكبرى التي عصفت به في اخريات العشرينات وأوائل الثلاثينات من القرن الماضي. وثانيها ان هذه الظاهرة لن تكون ظاهرة عابرة بل ستبقى عدة سنين وستكون من معالم الاقتصاد العالمي، وأنا استبعد ان يعود عهد العمالة التامة full employment الذي الفه العالم في النصف الثاني من القرن الماضي، قبل مدة عقد او عقدين. وثالثها ان المستقبل سيشهد تأنيا في الانفاق، انفاق المستهلك والمنتج على السواء، مما سيعقد الموقف الاقتصادي.
على أن هذه التنبؤات كلها مبنية على فرضيات قد يقبلها وقد يرفضها السياسيون (وزراء المالية) وقد يقبلون بعضها وقد يرفضون بعضها، وهذا مصدر الغموض في الموقف، فالسياسيون مغرمون بالحلول القصيرة المدى وما يكسبهم الشعبية المؤقتة! ولكنهم في آخر الأمر أصحاب القول الفصل والخيار الأخير!
|